الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

539

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذين يبطلون صدقاتهم بالمنّ والأذى ، ومنهم الذين يتيمّمون الخبيث منه ينفقون ، ومنهم من يعدهم الشيطان الفقر ويأمرهم بالفحشاء . وكان وجود هذه الفرق مما يثقل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعقّب اللّه ذلك بتسكين نفس رسوله والتهوين عليه بأن ليس عليه هداهم ولكن عليه البلاغ . فالهدى هنا بمعنى الإلجاء لحصول الهدي في قلوبهم ، وأما الهدى بمعنى التبليغ والإرشاد فهو على النّبيء ، ونظائر هذا في القرآن كثيرة . فالضمير راجع إلى جميع من بقي فيهم شيء من عدم الهدى وأشدّهم المشركون والمنافقون ، وقيل الضمير راجع إلى ناس معروفين ، روي أنّه كان لأسماء ابنة أبي بكر أمّ كافرة وجدّ كافر فأرادت أسماء - عام عمرة القضية - أن تواسيهما بمال ، وأنّه أراد بعض الأنصار الصدقة على قرابتهم وأصهارهم في بني النضير وقريظة ، فنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن الصدقة على الكفّار ، إلجاء لأولئك الكفّار على الدّخول في الإسلام ، فأنزل اللّه تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الآيات ، أي هدى الكفّار إلى الإسلام ، أي فرخّص للمسلمين الصدقة على أولئك الكفرة . فالضمير عائد إلى معلوم للمخاطب . فيكون نزول الآية لذلك السبب ناشئا عن نزول آيات الأمر بالإنفاق والصدقة ، فتكون الآيات المتقدمة سبب السبب لنزول هذه الآية . والمعنى أن ليس عليك أن تهديهم بأكثر من الدعوة والإرشاد ، دون هداهم بالفعل أو الإلجاء ؛ إذ لا هادي لمن يضلل اللّه ، وليس مثل هذا بميسّر للهدى . والخطاب في لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ظاهره أنّه خطاب للرسول على الوجه الأول الذي ذكرناه في معاد ضمير هداهم . ويجوز أن يكون خطابا لمن يسمع على الوجه الآتي في الضمير إذا اعتبرنا ما ذكروه في سبب النزول ، أي ليس عليك أيها المتردّد في إعطاء قريبك . و ( على ) في قوله عَلَيْكَ * للاستعلاء المجازي ، أي طلب فعل على وجه الوجوب . والمعنى ليس ذلك بواجب على الرسول ، فلا يحزن على عدم حصول هداهم لأنّه أدّى واجب التبليغ ، أو المعنى ليس ذلك بواجب عليكم أيّها المعالجين لإسلامهم بالحرمان من الإنفاق حتى تسعوا إلى هداهم بطرق الإلجاء . وتقديم الظرف وهو عَلَيْكَ * على المسند إليه وهو هُداهُمْ * إذا أجرى على ما تقرّر في علم المعاني من أنّ تقديم المسند الذي حقّه التأخير يفيد قصر المسند إليه إلى المسند ، وكان ذلك في الإثبات بيّنا لا غبار عليه نحو لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ]